عوني محمد العلوي/مدير وحدة القدس بوزارة الأوقاف والشئون الدينية

القدس قلب فلسطين النابض جوهر الصراع بقلم/عوني محمد العلوي كانت جيوش المسلمين الزاحفة تحت راية الجهاد تقف قبالة أسوار المدينة التي يعتبرها المسلمون أولى القبلتين وثالث الحرمين والتي ترتبط بقصة الإسراء الإعجازية التي تحدث عنها القرآن الكريم والتي تضم بين جنباتها بعضاً من أهم المقدسات المسيحية عندما أصر سكانها المسيحيون بقيادة البطريرك صفرنيوس على أن يسلموها للخليفة العظيم عمر بن الخطاب ولم يتردد الخليفة ولم يترك للغضب أو غطرسة القوة أن تغريه بأن يأمر قواته باقتحام المدينة وتدميرها وإنما جاء على راحلته الحمراء لا يصحبه سوى كيس من التمر وقربة ماء وتسلم المدينة من أهلها بالأمان وحفظ العهد الذي أعطاه عمر بن الخطاب لنصارى القدس كنائسهم وأملاكهم إلى جانب حرية العقيدة ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة حتى لا يتخذها المسلمون مسجداً لأنه أراد أن يحفظ للنصارى حقوقهم ومن ذلك الحين باتت المدينة المقدسة مدينة التسامح فقد بنيت بها المساجد والجوامع إلى جانب الكنائس والأديرة وقصدها المسلمون زواراً وطلاب علم ومجاورة كما جاء النصارى الأوروبيون حجاجاً وطالبي مغفرة وتوبة وظلت مدينة السلام تحتضن كل من يدخل من بواباتها ثم جاء الهجوم الصليبي بصورته المرعبة لتختفي الصورة الهادئة الوادعة وحين اكتشف سكان المنطقة العربية حقيقة الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للكيان الصليبي بدأت المحاولات المنظمة لدحر العدوان واسترداد الأرض العربية وكانت القدس رمزاً ملهماً في هذا الصراع المرير والطويل وللحق والتاريخ فإن الجماهير المسلمة في المنطقة العربية هي التي صاغت شكل الصراع فقد أثبت الحكام في المنطقة العربية قصورهم وخيبتهم فقد حاول الفاطميون التحالف مع الصليبيين كما أن السلاجقة في دمشق عاشوا نوعاً من التعايش السلمي مع الصليبيين أما خلفاء العباسيين فكانوا أضعف من أن يفعلوا شيئاً. وبدأت جرائم الصليبيين ومذابحهم وأعداد اللاجئين الهاربين من وحشيتهم تثير الرأي العام الذي طالب بالجهاد وفي خضم هذه الأحداث خرج المجاهدون من أمثال عماد الدين زنكي ونور الدين محمود من استرداد الرها وتأمينها وفشلت الحملة الصليبية الثانية التي أرسلتها أوروبا في أن تفعل شيئاً سوى زيادة قوة نور الدين محمود حينما فرض أهل دمشق إرادتهم انضموا إلى دولته، وفي خضم الصراع بين الصليبيين ونور الدين محمود على مصر برزت شخصية صلاح الدين الأيوبي وسرعان ما ورث ملك نور الدين ومسئولياته التاريخية. وقد دارت معارك مع الصليبيين في العصور الوسطى من اجل فلسطين والقدس محورها وهناك الكثير من أوجه التشابه بين الصهيونية والصليبيين على مختلف المستويات ولكن أهم وجه للاختلاف بينها هو أن الحركة الصهيونية تحاول الاستفادة من التجربة الصليبية باعتبارها سابقة تاريخية أو بروفة يمكن الاسترشاد بها. وعندما احتلت القوات الصهيونية القدس العربية القديمة أحكمت قبضتها على المدينة المقدسة كلها، وفي اليوم التالي تقدم حاخام الجيش الصهيوني "شلومو جورن"أمام مجموعة من جنود الجيش الصهيوني بالقرب من حائط البراق (الذي يدعي الصهاينة أنه حائط المبكى)وهو الحائط الغربي للحرم القدسي ليقيم الشعائر الدينية اليهودية ثم يعلن بعد نهاية هذه الشعائر ما نصه"إن حلم الأجيال اليهودية قد تحقق فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية". فهذه الحقبة القاتمة بداية حزينة في تاريخ المدينة المقدسة فقد سقط التسامح والسلام وعادت عنصرية الصليبيين تطل على المدينة بوجه صهيوني قبيح ومنذ تلك اللحظة حتى الآن يواصل الصهاينة المحتلون تنفيذ خططهم ومخططاتهم لضمان السيطرة على مدينة القدس عسكرياً وجغرافياً وسكانياً من خلال إجراءات وقرارات متنوعة ومن خلال العدوان والإرهاب المستمر على المدينة وأهلها "فإسرائيل"تؤكد وحدة القدس كمدينة يهودية وكعاصمة"لإسرائيل"حتى يصبح للدولة الصهيونية تاريخ يمتد لأكثر من ألفي سنة.فلقد سكن اليهود المدينة فترات متقطعة قبل 1800 عام ثم انقطع وجودهم تماماً عنها بعد أن حرموا من دخولها حتى سمح لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بالعيش فيها وإقامة معابدهم في رحابها فسكنوها أفراداً خالطوا العرب وكسبوا عاداتهم وتقاليدهم. إن احتلال اليهود للقدس واتخاذها عاصمة لهم هو سعي إلى امتلاك تاريخ المدينة نفسها فيصبح "لإسرائيل"بضربة واحدة تاريخ ممتد لأكثر من ألفي عام يوصل ما أنقطع عنها ولهذا تبذل"إسرائيل"كل الجهد لتسرق من الفلسطينيين تراثهم تسرق رقصتهم الشعبية ولحنهم الغنائي الشعبي وملابسهم الشعبية زاعمة أنها يهودية شعبية لأنه من غير القدس والسطو على تراثها المجيد ستتعرى "إسرائيل" لتكون على حقيقتها كياناً زرعته الإمبريالية وخلقته من أجل مصالحها في الشرق الأوسط يشهد على ذلك وعد بلفور اللعين وفتح البريطانيون أبواب الهجرة اليهودية ثم أتت أمريكا لتقوم بالدور الذي قامت به بريطانيا لحماية الكيان المصطنع المغتصب لأرض فلسطين التاريخية. من غير القدس ستكون "إسرائيل"بلا تاريخ وبلا تراث وما ينبغي أن يكون التاريخ لقوم يعيشون في دول متفرقة بل لا بد أن يرتبط به كيان معلوم وأرض ثابتة ودولة مستقرة أن يرتبط التاريخ بالجغرافيا. وتوفر القدس لليهود ما يحتاجون من رسم جغرافي معلوم على الكرة الأرضية بقدر ما توفر لهم تاريخ عريق فهي جغرافيا في قلب فلسطين ومركزها فهي رابطة العقد لكل الطرق الممتدة في كل اتجاه على طول الأرض الفلسطينية وعرضها ومن ثم هي وحدها القادرة على أن تكون مركزاً ثابتاً للسوق والمجتمع والكفيلة جغرافياً بتحقيق حلم الصهيونية الساعية بثبات فقامة "إسرائيل الكبرى"كذلك لن تستقر القدس يهودية صهيونية إلا إذا تم تهويدها وطرد الفلسطينيون منها بالقوة وبالعدوان على كل القوانين والأعراف الدولية والقيم الإنسانية. وحتى يتوج ذلك كله بشرعية دينية ستكون "إسرائيل"صاحبة القدس الموحدة والراعية للأماكن المقدسة للأديان السماوية الثلاث يلتف حولها أكثر من ملياري نسمة من سكان المعمورة وحتى لو وضعت هذه الأماكن تحت إشراف دولي فستوفر القدس "لإسرائيل"مكانة روحية لا ترقى إليها دولة أخرى في العالم.لكل هذا لا بد من تفويض هذه المؤامرة الكبرى ولن يكون ذلك إلا على أرض القدس الشريف نفسها إلا إذا أصبحت القدس عاصمة الدولة الفلسطينية. لا بد إذن من التمسك بقوة ومهما غلي الثمن ومهما طال الكفاح بشعارنا الأساسي دولة فلسطينية على كامل الأراضي الفلسطينية وعاصمتها القدس(كل القدس )بغربها وشرقها، تلك هذه الحلقة الرئيسية والمنطلق الأساسي للكفاح من أجل تقويض المؤامرة الكبرى فوجود فلسطين "الدولة"في القدس العاصمة هو المهمة المحورية لمجمل الكفاح الفلسطيني نعم لن تكون المدينة كما أرادوا موحدة وعاصمة لهم أو لهم وحدهم. القدس فلسطينية كنعانية عربية منذ القدم: كان اسم الموقع سالم فاختاره الكنعانيون ليقيموا فيه مدينة سميت جيروسالم وتعني بالعربية القدس وكان ذلك في عهد مليكهم "مشيسارك"الملك التقى أيام أبونا إبراهيم عليه السلام وظل الكنعانيون وحدهم يسكنون المدينة طوال 8 قرون وفي عام 1000ق.م تمكن داود عليه السلام من الاستيلاء على المدينة وسمح للكنعانيين بالعيش فيها جنباً إلى جنب مع اليهود،ثم جاء ابنه سليمان عليه السلام فأقام المعبد الذي دمر وبنى عدة مرات ولم يبق منه غير الحائط الغربي المعروف "بحائط المبكى". وحكم القدس أقوام عدة من كنعانيين وسوريين وفراعنة وبابليين وفرس ويونان ومسلمين وصليبيين وأتراك مسلمين حتى احتلها البريطانيون عام 1917 ثم احتلت القوات الصهيونية قسمها الغربي عام 1947م وفي عام 1967م احتلت الجزء الشرقي. وتم تدمير القدس ومعبد سليمان عام 587ق.م على يد البابليين الذين حملوا معهم سكانها اليهود أسرى إلى بلادهم وعندما غزا سيروس ملك فارس مملكة بابل عاد اليهود إلى القدس عام 530ق.فأقاموا معبدهم من جديد ولكنه دمر مرة ثانية عام 170ق.م وتمكن اليهود من تدعيم نفوذهم فأذن الرومان لهم ببناء المعبد للمرة الثالثة عام 40ق.مغير أن الخلاف دب بينهم وبين الرومان في عهد تيتوس الذي حكم المدينة عام 171م فدمر المعبد نهائياً ولم يبق منه غير حائطه الغربي ثم طرد اليهود من القدس عام 135م ليعيشوا في الشتات ومنع اليهود من الإقامة في المدينة طوال حكم الرومان حتى حكمها العرب المسلمون عام 638م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي سمح لليهود بالعودة وتشييد معابدهم في القدس وعلى الرغم من موقع الحرم الشريف حيث كان موقع معبد سليمان سمح المسلمون لليهود بالعودة بإقامة شعائرهم الدينية عند الحائط الغربي بحرية تامة وظل الأمر كذلك حتى حكم الفرنجة الصليبيون المدينة قرابة مائة عام فعاملوا اليهود بغلظة شديدة ولم يسترجع هؤلاء حريتهم خالصة في الإقامة وممارسة الشعائر إلا بعد أن دخلها صلاح الدين عام 1117م ثم استمر حكم المسلمين للمدينة حتى احتلها البريطانيون عام 1917 وهذا يعني: -أن الكنعانيين وليس اليهود هم الذين أنشأوا مدينة القدس وظلوا وحدهم سكانها طوال ثمان قرون -إن المسلمين حكموا المدينة حوالي 13 قرن حتى احتلها البريطانيون غير أن الفلسطينيين سواء كانوا وثنيين أول الأمر ثم مسيحيين ومسلمين فقد عاشوا وشكلوا الأغلبية العظمى من سكانها منذ عام 135م حين طرد اليهود منها وعاشوا في الشتات أي أن الفلسطينيين ظلوا سكان القدس طوال ثمان قرون. -ظل اليهود مضطهدين محرومين من الإقامة في القدس وتشييد معابدهم في رحابها حتى حكمها العرب المسلمون فمنحوهم حرية الإقامة وتشييد المعابد. القدس أصبحت يهودية بالقوة والعربدة المسلحة: لم يكن في القدس قبل احتلال بريطانيا للمدينة عام 1917م غير 30 ألف يهودي أندمج معظمهم بالعرب وتحدثوا لغتهم ومارسوا عاداتهم. وفي عام 1922 انتدبت عصبة الأمم بريطانيا لتحكم فلسطين وتضمن صك الانتداب وعد بلفور الذي تعهدت حكومة بريطانيا بمقتضاه بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين دون أخذ رأي الشعب الفلسطيني صاحب الأرض ففتحت سلطات الاحتلال البريطاني أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية التي تزايدت أثناء اضطهادهم على يد النازيين في ألمانيا حتى بلغ عددهم 100ألف نسمة عام 1947 وهو العام الذي أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية بينما بلغ عدد الفلسطينيين سكان القدس 105آلاف نسمة. ووفقاً لقرار التقسيم الصادر في 29 نوفمبر عام 1947 كان مفروضاً أن تكون القدس كياناً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي تحت إدارة الأمم المتحدة وله حاكم ومجلس تشريعي على أن يكون محايداً منزوع السلاح غير أنه خلال حرب 1948 والتي نشبت بين القوات العربية والقوات الصهيونية احتلت الخيرة القدس الغربية وكان الفلسطينيون يملكون 40%من مبانيها واليهود 12% أما بقية القدس الغربية فكانت ملكاً للدوائر الدينية والحكومية ثم هاجم اليهود القدس القديمة بين 14-18 مايو عام 1948 ولكنهم فشلوا أمام صمود الفلسطينيين حتى دخلها جيش الأردن في 19 مايو عام 1948 وبهذا توزعت القدس إلى قسمين شرقي تحت السيادة الأردنية وغربي تحت الاحتلال الصهيوني.وفي سبتمبر عام 1948 أصبحت المحكمة العليا "الإسرائيلية"في القدس الغربية وفي فبراير 1949 اتخذها ما يسمى الكنيست مقراً وفي 23 يناير 1950 أعلنت "إسرائيل"القدس الغربية عاصمة لها. وأرادت القوات الصهيونية الاستيلاء على القدس خالية من الفلسطينيين ولهذا الغرض ارتكبت مذبحة في قرية دير ياسين التي تقع على بعد ميل ونصف الميل إلى الغرب من المدينة في 9 أبريل 1948 حيث ذبح الصهاينة المجرمون 340 من الرجال والنساء والأطفال من سكان القرية فدب الذعر والهلع في نفس السكان الذين هجروا المدينة قصراً خوفاً من بطش العصابات الصهيونية لهم وأمام زحف الصهاينة للمدينة وكان يسكنها قبل الاحتلال 24 ألف فلسطيني مسيحي و31ألف فلسطيني مسلم ونتيجة لعدوان "إسرائيل"على البلدان العربية في يونيو عام 1967 تم احتلال القدس الشرقية وشرعت "إسرائيل"على الفور في تهويد ما تبقى من القدس بتدمير الأحياء العربية مثل حي المغاربة ومئات المباني التي يمتلكها الفلسطينيون وبدأ مسلسل تهويد المدينة القديمة من خلال الاستيلاء على الأرض وطرد الفلسطينيين وإقامة المستوطنات اليهودية وفرضت القوانين "الإسرائيلية"على الضفة الغربية ومن بينها القدس القديمة ثم اتسع بناء المستوطنات اليهودية لتشمل القرى المحمية بالمدينة وأعلنت حكومة "إسرائيل"مشروع القدس الكبرى الذي يمتد حتى منطقتي البيرة ورام الله شمالاً وكان أخطر إجراء اتخذته "إسرائيل"هو ما عرف "بالقانون الأساسي"الذي أقره الكنيست في 30 يونيو 1980 والذي يقضي بأن تكون القدس موحدة دائماً وعاصمة "إسرائيل"إلى الأبد وعلى هذا الأساس ترفض "إسرائيل"اليوم أن تكون القدس موضوعاً للمفاوضات متحدية كل قرارات الأمم المتحدة وحق شعب فلسطين في أرضه ووطنه وعاصمته. القدس بين حزب الليكود وحزب العمل سياسة حزب العمل لمدينة القدس هي سياسة حزب الليكود فالحزبان يرفضان بحسم مشروع الأمم المتحدة بتدويل القدس ويصران بعد احتلال المدينة كاملة على أن تكون موحدة وعلى أن تكون جزءاً لا ينفصل عن "إسرائيل"وعلى إخراج السكان الفلسطينيين منها ثم يتمسكان بها عاصمة لدولة "إسرائيل". غير أن حزب العمل لا يتبنى الأيديولوجية اليهودية التي تدعو إلى الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية خوفاً من تعاظم عدد السكان العرب فيشكلوا قومية لها نفوذها السياسي والاقتصادي ومن ثم تصبح "إسرائيل"دولة لقوميتين وليست دولة للقومية اليهودية وحدها كما أرادت الصهيونية. وإذا كان حزب الليكود يسعى إلى تجنب مثل هذه العقبة التي تتعارض مع الأيديولوجية الصهيونية بالترويج لسياسة الترانسفير أي نقل ما تبقى من شعب فلسطين وإبعاده بالقوة عن الضفة الغربية وقطاع غزة فإن قادة حزب العمل يثيرون الشكوك حول إمكانية نجاح هذه السياسة دون إلحاق أضرار بالغة بالمصالح "الإسرائيلية"لهذا نشأ خلاف بين الحزبين بشأن السياسة الاستيطانية التوسعية ومن ثم اختلف دور مدينة القدس في إطار السياسة الاستيطانية لحزب العمل عن دورها بالنسبة لسياسة الليكود. فبالإضافة إلى القدس الموحدة عاصمة"إسرائيل"يركز حزب العمل على تنفيذ مشروع ألون الذي طرح منذ عام 1967م لضم شريط يتراوح بين 10و15 كم على امتداد غور الأردن وإقامة مستوطنات دينية وعسكرية وفقاً لمتطلبات الأمن الصهيوني. ففي أعقاب حرب 1967 مباشرة استولت القوات الصهيونية بالقوة على مناطق مجاورة للحرم القدسي الشريف وتم طرد السكان من ممتلكاتهم لكي يتم تحويلها إلى مدارس يهودية أو أماكن لسكنى المستوطنين كما تواترت سلسلة من الانتهاكات والعدوان المتكرر على المقدسات الإسلامية ولعل أوضحها واكثرها فظاعة ووحشية ما أقدمت عليه السلطات الصهيونية يوم 8أكتوبر سنة 1990 حينما اقتحمت قوات الشرطة وحرس الحدود والمخابرات والمستوطنون ساحات الحرم القدسي الشريف لتطلق النيران بصورة وحشية ضد الرجال والأطفال والنساء والشيوخ لتقتل منهم ثلاثة وعشرين شهيداً وتصيب ثمانمائة وخمسين فلسطينياً. وفي ذات يوم كئيب من أيام الزمن الرديء يدنس السفاح المجرم شارون اللعين حرمة الحرم القدسي الشريف في حماية عشرات المئات من السفاحين الصهاينة الحاقدين على كل شيء جميل الذين يرتدون الملابس العسكرية وتنطلق انتفاضة الأقصى وتزداد الصورة قتامة وسواداً وتتجلى شجاعة القتل لدى الصهاينة وتتصاعد حدة الغضب العربي والإسلامي لتصوغ موقفاً للرأي العام العربي والإسلامي يتجاوز العجز والاستسلام ولكن مع الأسف لم يدم هذا الغضب العربي والإسلامي طويلاً وسرعان ما أصدرت أمريكا قراراً إلى كل حكام المسلمين لإخماد الثورة العارمة ضد الإمبريالية والصهيونية لأنهم شعروا بالخطر الحقيقي على مصالحهم والكيان المصطنع "إسرائيل"وكان الرد سريعاً من قبل الحكام العرب والمسلمين في تهدئة الغضب العربي والإسلامي. وتستمر انتفاضة الأقصى على الرغم من الإجرام الصهيوني المستمر ضد المجاهدين والشرفاء من أبناء شعبنا البطل حتى اندحر العدو وهو صاغراً من قطاع غزة تحت تأثير ضربات المقاومة وصبر شعبنا على جميع المصاعب وينكشف الفزع الصهيوني من مصيره الذي يماثل مصير العدوان الصليبي قبل سبعة قرون من الزمان.صحيح أن الأوضاع الراهنة لا تزال تحمل من سواد الغدر الصهيوني ودماء الشهداء اللون الأسود واللون الأحمر في مواضع كثيرة ولكن الصحيح أن خطاً أبيض ناصعاً يشق لنفسه مكاناً في ذلك السواد القاتم. ومن المفارقات الغريبة في هذا الزمن أن ينتخب شارون من قبل شعبه وبنتيجة ساحقة على منافسه باراك وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشعب الصهيوني شعب مجرم ومتعطش لدماء الشعب الفلسطيني فكأن انتخاب شارون بمثابة المنقذ لليهود وتوفير الأمن والسلام الصهيوني للشعب اليهودي الغادر وما زال رئيساً للوزراء منذ خمس سنوات وهو يمارس القتل والإجرام والتدمير والخراب في الشعب الفلسطيني ليثنيه عن انتفاضته الباسلة التي وضعت أنفه في التراب واضطرته الانسحاب من قطاع غزة هارباً من ضربات المقاومة الموجعة للعدو الصهيوني وبعد هروبه من غزة بدأ نجم شارون بالأفول وانشق عن حزبه الليكود وكون حزب جديد اسماه "كاديما"أي إلى الأمام ولكن فرحته وجنون عظمته لم تمهله طويلاً فها هو يصارع الموت وقد هوى إلى الحضيض والذي كان هذا الإرهابي شارون يخيف الحكام العرب ويرتعدون منه خوفاً ويتقربون إليه لكي ترضى عنهم أمريكا قد سقط وبدأ السقوط الصهيوني إن شاء الله وبدأ العد التنازلي لسقوط هذا الكيان المصطنع الذي قام على جثث شعبنا من الشيوخ والأطفال والنساء والأبطال المغاوير الذين لم يلقوا السلاح لمحاربة هذا العدو الغادر. لقد احتلها الصليبيون فترة امتدت ثمانية وثمانين سنة ثم تحررت ولبست ثوبها الجديد بألوانه الزاهية وعادت سيرتها الأولى في رحاب الحضارة العربية الإسلامية منارة للعلم ومزاراً للمؤمنين. خـاتمـة إن للتاريخ قوانينه التي تعلمنا أن العدوان والغطرسة والغرور لا يمكن أن تضمن البقاء بغير الحق والشرعية وأن المقاومة والصمود والتشبث بالحق لا بد وأن تنتصر في النهاية وإن حرية الوطن وأبناء الوطن غالية الثمن وإن الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ لا يبخل بهذا الثمن فإن النصر حليف هذا الشعب الصامد الصبور فالقدس رمز الصراع وهو صراع قديم حديث وتاريخ القدس يقول إن الوضع القائم قليل وإلى زوال فسوف تلبس مدينة السلام ثوبها الجديد الزاهي الذي كان في عهد الدولة العربية الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين فهذه حقيقة لأن الظلم والفساد لا يدوم في هذه البلاد المقدسة التي باركها الله سبحانه وتعالى. المراجع والمصادر: 1-الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث 2-عبد الله التل:كارثة فلسطين، القاهرة 1959 3-روحي الخطيب:الحفريات الإسرائيلية حول المسجد الأقصى المبارك ومسجد الصخرة المشرفة، عمان، 1981م. 4-محمد خالد حسين، فلسطين في ظل الإسلام، عمان، 1969 5-محمود البلدي، قدسنا، القاهرة، 1972 6-عز الدين فودة، قضية القدس في محيط العلاقات الدولية، بيروت:1969 7-عارف العارف، تاريخ القدس، القاهرة، 1951.